الفتال النيسابوري
397
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
وأجسادهم نحيفة ، وحاجتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدنيا ولم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلا ، يحزّنون به أنفسهم ، ويستثرون [ يستثيرون ] به دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطّلعت نفوسهم إليها شوقا ، فظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم ، وأمّا النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم « 1 » الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم مرض ، ويقول : قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم . لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم منّي بنفسي ، اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ؛ فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما « 2 » في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى وخشوعا في عبادة وتحمّلا في فاقة ، وصبرا في شدة ، وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى وتحرّجا عن طمع ، يعمل الأعمال الصالحة
--> ( 1 ) في المخطوط : « ودبراهم » بدل « قد براهم » . ( 2 ) في المخطوط : « حربا » بدل « حزما » .